الملحقطب

الجنـين ونظــام المنـاعـة أيـة حمايـة له أثنـاء الحمل؟

الطائر – لبنان:

janin

يُعتبر الجنين أو الحميل إن جاز التعبير، جسماً غريباً داخل رحم أمه من الناحية البيولوجية، مذ امتلاكه لصبغيات ومورثات منحه إياها أبوه أثناء عملية الإخصاب. هذا الأمر يطرح السؤال عن قدرة الأم على تحمل وجوده خلال فترة الحمل، دون أن تحرك ساكناً، نظامها المناعي لرفضه، وهو ما يعرف بقدرة التحمل المناعي لدى الأم (tolérance immunologique). فكيف يتمّ ذلك؟

إن انغراز الجنين في مراحله الأولى في التجويف الرحمي، هو بمثابة عملية زرع غير متوافق (allogreffe)، ما يحتّم وجود قدرة ما على تقبله من قبل أنسجة الأم. هذه القدرة على التحمل، تشمل في طياتها عوامل عدة مجتمعة تتمثل بجذعة الجنين الاغتذائية (trophoblaste) وهي طبقة بدائية، ثم غشاء الرحم البراني (chorion) ونظام (HLA-G) وهو نظام توافق الأنسجة في خلايا الجذعة الاغتذائية، إضافة إلى الخلايا القاتلة (NK) التي تتفاعل مع نظام (HLA-G) لاستتباب هذا التحمل الخاضع أيضاً لتأثير سيتوكينات (Cytokines) تفرزها الخلايا الساقطة والخلايا الجذعية.

فيما يلي نسلط الضوء على الآليات المناعية الخلوية والبيوكيميائية المتداخلة في إطار بناء وتأمين القدرة لدى الأم على تحمّل جنينها وحمايته تالياً من أية عملية رفض قد تودي به للهلاك.

بعد حصول الإلقاح أو الإخصاب، تخضع الخلية الجنينية الأولى لعدة انقسامات تؤول لتكوين خلايا شقيقة تسمى جذعية (blastomères). وانطلاقاً من مرحلة الثمانية خلايا، تتغير العلاقات القائمة بينها، فتصبح خلايا الأطراف أكثر التصاقاً، فيما تتبادل الخلايا المركزية مع بعضها بواسطة ارتباطات اتصالية. في مرحلة ما بين الاثنين والثلاثين والثمانية والخمسين خلية، يتكوّن تجويف، فتنفصل الجذعيات إلى زر جنيني من جهة (bouton embryonnaire) وجذعة اغتذائية من جهة أخرى. هذا التطور يؤدي لنشوء مجموعة تسمى الكيس الجرثومة الحر (blastocyste) الذي تحتوي كل خلية منه على مادة وراثية نصفها من الأب والنصف الآخر من الأم.

في اليوم الخامس والسادس بعد الإخصاب، يتثبت الكيس الجرثومة على غشاء الرحم وهو في حالة إفرازية. خلال الأسبوع الثاني من الحمل، يدخل الكيس في الغشاء ويصبح بمحاذاة رحم الأم، فتحصل عملية الانغراز أو التعشيش (nidation) في الغشاء البراني لجدار الرحم حيث تتحول الخلايا إلى خلايا ساقطة خلال مرحلة الإفراز. هذه العملية تخلق بيئة مناسبة لاستقبال الكيس الجرثومة لكنها بالمقابل تشبه عملية زرع غير متوافق لناحية الأنسجة، كون نصف الأنتيجينات العائدة للجنين هي من مصدر أبوي وعلى جسم الأم تحمّلها.

إن علاقة الأم بجنينها لا تنحصر فقط بعملية تحمّل بسيطة وسلبية، بل هي مرتبطة بقائمة من تفاعلات السيتوكينات التي تؤثر انتقائياً في تنظيم المناعة. كما وأن السيتوكينات التي تُفرز في مكان معين وبخاصة سيتوكين (IL-18) تراقب آليات انغراز الجنين ويمكنها أن تكون مسؤولة عن انغراز خاطئ في حال غيابها أو إفراط في كميتها.

فرضيات القدرة على التحمّل

انطلقت نظرية قدرة الأم على تحمل جنينها من فرضيات أربعة:

الفرضية الأولى تزعم بأن الجنين يتمتع بكفاية أو بحصانة مناعية تجعله بمنأى عن رفض أمه له. هذه الفرضية تمّ التخلي عنها مذ تبيّن وجود جواب مناعي ضد خلايا الجنين، إضافة إلى أن هذه الأخيرة تمتلك خصائص مناعية.

الفرضية الثانية تشير إلى انخفاض مناعة الأم الحامل خلال فترة الحمل، وقد ظهر عدم صوابية هذه الفرضية كون الإيجابات المناعية لدى الأم الحامل كانت غير قاصرة ومتوفرة.

الفرضية الثالثة ادعت بأن رحم الأم قد يكون بقعة مميزة معزولة عن الوسط المناعي، ما يسمح بعملية انغراز أو تعشيش الخلية – البيضة في جدار الرحم، لكن وجود حالات حمل خارج الرحم، أثبتت العكس، فلم يؤخذ بها.

الفرضية الرابعة، أتت بالفكرة القائلة بأن الخلاص أو المشيمة (placenta) يشكل حاجزاً مناعياً يحول دون عملية الرفض، وهو ما تمّ القبول به، بعد أن شكلت هذه الظاهرة، أحد العناصر التي تتدخل في عملية تحمل خلايا الجنين مزامنة مع نشوء حدّ فاصل بين الأم وحميلها. حالياً يعتبر الرحم الموقع الأنسب على المستوى المناعي بفعل تأثير مزدوج لعوامل مرتبطة بالأم وجنينها، والتي سنأتي على ذكرها لاحقاً. وتجدر الإشارة إلى أن الفاعلين الرئيسيين في عملية التحمل هم من ناحية، الجذعة الاغتذائية المركبة من طبقة خارجية (syncitiotrophoblaste) وطبقة داخلية (cytotrophoblaste) ومن ناحية أخرى جدار الرحم الساقط.

آليات التحمّل

إن تحمل الأم لجنينها من الناحية المناعية، ناتج عن ظواهر عدة تتكامل وتتكامن فيما بينها وتحديداً، تخصصية المُجمّع الرئيسي لتوافق أنسجة الجسم والمعروف بمجمع (CMH) الموجود على الخلايا الجنينية للجذعة الاغتذائية المشار إليها آنفاً، ثم خاصية الخلايا القاتلة (NK) المتواجدة في الغشاء المشيمي أو الكوريون، وميزان th1/th2 وكذلك دور السيتوكينات التي تفرزها الكريات اللمفاوية لجدار الرحم.

دور نظام CMH

ينحصر دور مُجمّع توافق الأنسجة والمسمى أيضاً (HLA) أو (Human Leucocyte Antigens)، في مجال التعرف على الذات واللاذات، وهو عبارة عن مجموعة من الجينات الموجودة والمتمركزة على الذراع الأقصر للصبغي السادس، والتي تحدد كيفية صنع البروتينات المصنفة لعدة فئات. هذا النظام هو متعدد الجينات والآليلات (allèles)، ما يحتم تنوع كبير في إمكانيات الخلط بين الأفراد، كما ويشمل لدى البشر صنفين مختلفين:

نظام CMH صنف أول وفيه ثلاث فئات متعددة الآليلات هي (HLA-A)، (HLA-B) و(HLA-C) ويُترجم على شكل جزيئات منتشرة على سائر خلايا الجسم ما خلا الكريات الحمراء والخلايا الدهنية.

نظام CMH صنف ثاني، وتُترجم جزيئاته فقط على الخلايا المولج بها تقديم الانتيجين للكريات اللمفاوية المتمثلة بالكريات B والخلايا الجذعية والكريات الوحيدة النواة والملتهمات، وجانباً توجد فئات أخرى غير تقليدية تابعة لنظام (CMH) موزعة على قليل من الأنسجة وهي مجمعات (HLA-E)، (HLA-F) و(HLA-G). هذا المجمع الأخير يُترجم على خلايا الجذعة الاغتذائية بشكلين مختلفين: متلقي جداري وشكل ذائب.

دور الخلايا القاتلة

تشكل هذه الخلايا، خط دفاع أول وهي خلايا المناعة الفطرية ولا تتطلب تحسـيس مسـبق لهـا كما وباستطاعتها تدمير الخلايا التي تُترجم جزيئات أنظمة (HLA-A) و(HLA-B) و(HLA-C)، باستثناء الخلايا الحاملة لجزيئات نظام (HLA-G)، التي تبقى بمنأى عن ذاك التدمير الخلوي. تمثل الخلايا القاتلة نسبة 70 بالمئة من الكريات اللمفاوية لجدار الرحم، ويزداد عددها بعيد الإباضة أي بعد ارتفاع نسبة هرمون الإباضة (LH). كما ويمكنها اكتساب القدرة على إحداث انحلال خلوي في حال تنشّطت بواسطة عامل (IL-2). في حال حدوث إخصاب، تبقى الخلايا القاتلة متواجدة خلال الفصل الأول من الحمل، ثم ينخفض عددها وتختفي بنهايته. في هذه الأثناء يطرأ على المشيجة الرحمية (stroma)، عملية تخصص خلوي للجذعة الليفية للكوريون أو الغشاء المشيمي التابع لجدار الرحم، فتتحول إثرها لخلايا هرمونية ذات نشاط إفرازي مكثف يتمثل بإنتاج عامل نمو وسيتوكينات. وبالتزامن يترافق ذلك بدفق من خلايا مناعية وبخاصة الخلايا القاتلة التي تتعرف على أنتيجينات نظام (HLA) صنف أول بواسطة نموذجين من المتلقيات: KIR/KAR وCD94.

إن المتلقي KIR المنتمي لعائلة مضادات أجسام، يلتصق على جزيئات نظام (HLA) صنف أول مكبحاً الوظائف الانحلالية للخلايا القاتلة. وبالمقابل يعمل المتلقي KAR على خسف حبيباتها. ومن جهتها تستطيع الخلايا المترجمة لنظام (HLA-G)، الالتصاق بمتلقي (KIR) المتمركز على سطح الخلايا القاتلة والكريات اللمفاوية TCD8، ما يحول دون ضرر الخلايا القاتلة وخلايا (CD8) الأمر الذي يساهم بنجاح عملية تحمل الجنين التي تتعزّز أيضاً إثر عملية الموت المبرمج لخلايا CD8 (apoptose). والجـدير بالذكر أن دور نظام (HLA-G) وضلوعه في استتباب القدرة على تحمل الجنين، يمكن أن يقارن بما يحصل للخلايا السرطانية لمرض قتاميني (mélanome) التي تُترجم نظام (HLA-G)، فتمنع تالياً التدمير الصادر عن الخلايا القاتلة، ما يشكل آلية إفلات من بعض السرطانات لناحية الرقابة المناعية.

دور السيتوكينات:

ميزان th1/th2

تُصنّف الكريات اللمفاوية (T) في الجسم طبقاً للسيتوكينات التي تنتجها، إلى كريات لمفاوية (th1) و(th2). الصنف الأول (th1) ينتج سيتوكينات من نوع (IL-2) و(IFNg) و(INFá)، المنشطة للملتهمات (macrophages) وللإيجابات المناعية الخلوية المعنية في ظواهر رفض الزرع غير المتوافق. وبالمقابل تُركب الكريات (th2)، سيتوكينات مضادة للالتهابات مثل: IL-4 وIL-5 وIL-6، المساهمة في الجواب المناعي الخلطي أي بواسطة مضادات الأجســام. وأيــضـاً تنتج سيتوكينـات IL-10 وTGFß العادمة للمناعة والمعنية في ظواهر تنظيم الجواب المناعي وفي القدرة على تحمل الجنين وفي هذه الصدد، تبين لاحقاً، خلال فترة الحمل وجود هيمنة لكريات (th2) المميزة بإنتاج مضطرد للسيتوكينات (th2) يقابلها عملية كبح لإنتاج سيتوكينات (th1).

في علم الأمراض، ثمة حجج عدّة، داعمة لدور الميزان القائم بين th1/th2 في القدرة على تحمل الجنين. وهناك بعض حالات إجهاض عائدة لخلل في ذاك الميزان.

دور الكريات اللمفاوية المنظِّمة

تؤثر الكريات اللمفاوية (T) المنظِّمة (treg) على ظواهر القدرة على تحمل الجنين، وذلك بالحدّ من الإيجابات النوعية على الأنتيجين. إن تحمل الجنين، يتم من الناحية المناعية بواسطة تلك الكريات اللمفاوية المنظمة، التي تجنب الإجهاض بخلقها بيئة مصغرة ملائمة للقدرة على التحمل، ومتميزة بنسب مرتفعة لعامل TGFß وعامل LIF المعنى مع متلقيه بانغراز كيس الجرثومة. لقد أثبتت دراسات حديثة ارتفاعاً ملحوظاً في نسبة الكريات المنظمة (treg) في الدم، خلال الفصل الأول من الحمل، ثم ثباتاً خلال الفصل الثاني يليه فيما بعد هبوطاً لها.

دور آليات وجزيئات أخرى

ثمة آليات أخرى معنية في القدرة على تحمل الجنين، ينبغي التطرق إليها، كدور المتلقيات (récepteurs) في عملية الموت الخلوي المبرمج لخلايا الأم المناعية المنشَطة. ففي المرحلة الثانية للدورة الشهرية، ينتج جدار الرحم جزيئة (LIF)، وخلال انغراز كيس الجرثومة في الجدار، تُظهر خلايا الجذعة الاغتذائية أو الطبقة البدائية، متلقي خاص لجزيئة (LIF) يسمى (LIF-R) الذي بعد التصاقه بتلك الجزيئة يؤمن بيئة مصغّرة مؤاتية للقدرة على التحمل.

آلية أخرى يتوجب ذكرها أيضاً، تتمثل باحتواء الدم على عنصر يسمى المكمل (complément)، وهو عبارة عن مركب من ثلاثين بروتين، تُحدث لدى تنشطها، عدة ظواهر، كالتفاعل الالتهابي وابتلاع الميكروبات، وإزالة مجمعات الانتيجينات ومضادات الأجسام. ومن جهتها، تظهر خلايا الجذعة الاغتذائية على سطحها، بروتينات منظمة للمكمل من شأنها كبح تكوين تجمع هجومي لغلاف الخلايا، الأمر الذي يحمي الجنين من عملية تدمير نسيجي أو تفسّخ عضوي مرتبط بتنشيط غير مضبوط للمكمل.

 

في ختام هذا العرض، يمكن القول بأن القدرة على تحمل الأم لجنينها تعود لعوامل عدة، تتدخل أثناء انغراز الجنين في جدار الرحم وتتلخص بالتالي:

إن الجذعة الاغتذائية (trophoblaste) أو ما يسمى بالطبقة البدائية، لا تظهر مجمعات (HLA-A) صنف أول، ولا صنف ثاني بل تظهر نظام (HLA) غير تقليدي هو (HLA-G)، المعني في عدة ظواهر التحمل.

كبح الخلايا القاتلة (NK) الموجودة بوفرة في جدار الرحم، وذلك بواسطة متلقيها (KIR) الذي يتّحد مع نظام (HLA-G).

حماية الجذعة الاغتذائية من التأثير التدميري للمكمل بواسطة جزيئات تظهرها.

طبيعة السيتوكينات المفرزة والمضادة للالتهاب، ما يسهل انغراز الجنين في جدار الرحم.

وجود كريات (T) منظِّمة تصنع جزيئات مناعية مخفِّفة، فتسهم تالياً في نشوء بيئة مناسبة غير عدائية لنمو الجنين.

هذه الآليات المعقدة هي أساسية وفعالة لبقاء الجنين بمنأى عن نظام مناعة أمه. ومن الأهمية بمكان أن يتم استلهام أفكار منها، لوضع نظام تحمل مناعي في مجالات مرضية أخرى، كنقل الأعضاء وزرع خلايا غير متوافقة وراثياً.

المصدر: رياض دكروب، المجلة الفرنكوفونية للمختبرات/ العدد 402

نشر في مجلة الضمان الاجتماعي

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق