الملحقثقافة وتربية

العيد الـ 56 لتأسيس :”ندوة الدراسات الإنمائية”، حسن صعب الأب الروحي لإنماء الإنسان.

56 عاماً في سبيل "إنماء الإنسان كل إنسان وكل الإنسان

الطائر – محمد علي درويش:

من قال ان مغيب الشمس يحجب وهج الحياة ونورها.
من قال ان رحيل الأحبة يسدل الستار عن السيرة الطيبة والمآثر النبيلة والخلق الرفيع لكرام القوم، ثم من قال ان الموت هو نهاية المطاف وآخر الحكاية للرجال الذين كتب التاريخ اسماؤهم.
كذب اؤلئك الذين يعتبرون الرحيل هو نهاية الحياة للطيبين امثالك يا دكتور حسن.
أبا حسان : أكتب اليك اليوم من البعيد وأنا على علم ويقين أنك في عليائك في جنات الخلد مع الصالحين والابرار، لعل كلماتي ومشاعري الصادقة هذه تصل الى روحك الطاهرة.
معلمي دكتور حسن احدثك اليوم بمناسبة الذكرى الـ 56 لتأسيس”ندوة الدراسات الإنمائية” التي انشأتها في العام 1964 ورعيتها سحابة ربع قرن حيث بذلت جهوداً مضنية في سبيل اشاعة التوعية الإنمائية بين المواطنين اللبنانيين الموجودين سواء منهم في القطاع العام او القطاع الخاص، وذلك لأن انماء لبنان، اي تطويره من دولة نامية الى دولة متقدمة يستدعي المشاركة الخلاقة من قبل جميع المواطنين، ويتطلب تكامل القطاعين العام والخاص في وضع السياسة الانمائية وتنفيذها. ومنذ انشأتها وحتى رحيلك بذلت جهوداً جبارة في سبيل الغاية التي استهدفتها معتمداً بذلك تنظيم المؤتمرات والحلقات الانمائية والعلمية اللبنانية والعربية والدولية. وتنشر نتائج مؤتمراتها وحلقاتها في كتب بلغت اربعين كتاباً اولها كتاب المفاهيم الحديثة للانماء في لبنان، وسلسلة كتب أصدرتها في ثمانية اجزاء حول استراتيجية الثورة العلمية التكنولوجية العربية، وكتب إنماء المحافظات، وكتاب رؤيتنا الإنمائية الإنسانية المستقبلية.


وقلت في احدى مقابلاتك الصحافية ان وجود الندوة كما هو عليه من حيث أنها تضم نخبة خيرة من المواطنين اللبنانيين من جميع الطوائف والمناطق والالتزامات الايديولوجية المتنوعة، الذين يلتزمون بالتعاون الوثيق والفعال في انماء لبنان وفي سبيل انماء العرب وفي سبيل إنماء الإنسان، ان هذا الوجود بحد ذاته الذي استمر واتسع بالرغم من كل ما عصف بلبنان من أحداث هو في حد ذاته، انموذج حي لما يمكن وما يجب أن يكون عليه التوافق الوطني في لبنان.
فللمعلم الدكتور حسن صعب فضل الاكتشاف والريادة، وفضل الشجاعة والاقدام، في جعل مفهوم الانماء ومصطلحاته متداولا ومعروفا ليس في لبنان وحسب، بل في سائر أنحاء الوطن العربي. كان يتملكه هاجسان: “هاجس الانماء بكل أشكاله ، وهاجس الانسان في كل مكان. والإنماء والانسان لا يفترقان”.
والدكتور صعب، المفكر الرائد، وأستاذ العلوم السياسية المعروف، أدخل مفهومين جديدين، وعمل طيلة حياته في الندوة على تطويرهما، وتحويلهما الى دعامتين أساسيتين لانطلاقة أخرى في لبنان وبلدان الوطن العربي الأخرى.
المفهوم الأول: يدور حول مركزية الانسان في عملية التنمية. الانسان بما هو كائن ذو قيمة متميزة، والانسان بما هو مواطن لحريات وحقوق، والانسان بكونه أساس العملية الانتاجية والرأسمال الحقيقي الذي يطلق عملية الانتاج وتطوير الاقتصاد، ويعتبر محور كل سياسة تنموية وغايتها.


أما المفهوم الآخر: فهو مفهوم الانماء، بما هو إبداع، وتطوير وإنتاج، وتحسين للبيئة ولحياة المواطن وتقدم الوطن”.
“لا أعرف عدواً للحرب الأهلية، وللنزاع الداخلي، كما كان معلمي، الدكتور حسن صعب، الذي بذل جهدا جبارا في سبيل إطفاء نارها والحؤول دون استفحالها”، و”كان بين اوائل من اهتموا بالمسألة الانمائية في جنوب لبنان. وكانت وجهة نظره ان لنا عدوين، وليس عدوا واحدا: اسرائيل والتخلف. اما التقدم الاقتصادي والانساني فهو الكفيل بمواجهة العدو ودحره”.
كان معلمي رجلاً عقلانياً في زمن التعصب والجهل وكان رجل محبة في زمن الحقد والاقتتال وكان رجل النقاش الهادىء في زمن فرض الافكار بقوة السلاح وكان رجلاً ديموقراطياً وليبرالياً في مجتمع الكبت والقهر والتطرف المجنون، كان هاجسه هو الانماء، انماء الفرد وانماء المجتمع، انماء لبنان وانماء العرب، الانماء السياسي والانماء الثقافي والانماء الاقتصادي والانماء الاجتماعي، والتربوي، في عالم تقهقر تحت ضربات مفاهيم بالية وعقليات تعود بنا الى الوراء.
كان أبا حسان يحب الجميع ويعمل للجميع. ويلتقي مع الجميع ويمد يده للتعاون مع الجميع، ومن هنا، ومن هذه الميزة اساء البعض فهمه واعتبروا مواقفه تساهلاً وتهاوناً وبراغماتية تتنافى مع عقيدته الاصلاحية. ولا بد ان يعود شعبنا الى صوابه ويفهم حقيقة معلمي د.حسن صعب ومواقفه والمنطق البناء الذي كان ينطلق منه.
كان معلمي يجسد شخصية المواطن العربي المنشود او المرتجى، القادر على التوفيق بين تراث الماضي ومستجدات الحاضر، وعلى إغناء الفكر الديني برجاحة التفكير العلمي.


وكان هاجس الإنماء خبزه اليومي، تحدث عنه ودعا اليه في كل محاضرة القاها وكان يرى في الانماء عملية تطوير لكل جوانب الحياة التي تشمل القيم وأساليب الانتاج والانظمة السياسية والاوضاع الاجتماعية. بل كان يعتبره ثورة عقلانية كفيلة بتفجير القوى الخلاقة والطاقات المبدعة في كل مواطن واستثمارها علمياً من أجل توفير حياة أفضل له وتقدم مطرد.
والانماء، في رأيه لا يقتصر، كما يعتقد البعض على النواحي الاقتصادية والمادية، وانما يشمل كذلك عملية بناء أو إحياء حضاري. إنه ثمرة تفاعل دائم بين المادة والفكر يفضي دائماً إلى التطور والابداع الحضاري في مختلف المجالات.
وكان في أبحاثه عن الانماء يستحضر حالة العرب المتردية ويؤكد أن الإنماء يعني قيام حركة في المجتمع العربي، قادرة على ان تُعيد اليه قدرته على التجدد ذاتياً وتفتح أمامه باب الابداع والتطوير. وهذا لا يتأتى إلاّ بتحرير الانسان العربي من العوز والجهل، وتحرير العقل العربي من رواسبه المتحجرة التي ترفض الاجتهاد والتجديد.
وكان يردد في كل مناسبة أن الإنماء هو إنماء الانسان، كل الإنسان، وان إنماء الاقطار المتخلفة لا يتم إلاّ بوجود مؤسسات فيها قادرة على توفير الضمانات لاحترام حقوق الانسان وحرياته الاساسية، وتحرير الارادة والارض والتراث من التبعية أو السيطرة الاجنبية، والاسهام في مسيرة الحضارة الانسانية، والاستفادة من ابداع الغير دون محاكاته، والاعتماد على أفضل ما في التراث دون التقوقع فيه.
وكان معلمي يعتقد أن تحقيق الإنماء يحتاج إلى قادة إنمائيين، وان هؤلاء لا يستطيعون التخطيط للإنماء وتنفيذه إلاّ بتسلّمهم مقاليد الحكم في الدولة. لقد كان بذلك متأثراً إلى حد كبير بنظرية أفلاطون والفارابي التي تعتبر ان صلاح المجتمع مرهون بصلاح الرئيس “أي الفيلسوف عند افلاطون والامام عند الفارابي” وان المجتمعات الفاضلة هي المجتمعات التي يتزعمها ويسوسها الفلاسفة والحكماء. والحكيم، في عُرف معلمي الراحل، هو صاحب الرأي السديد في عملية الإنماء. وإيمانه العارم بالإنماء وبوجوب إنجازه في لبنان.


كان معلمي مثابراً اسطورياً، يبتدع الآمال والمشاريع واللقاءات. يثابر على عقد اجتماعات الندوة ومؤتمراتها مهما قسا العنف، يعاند جمود الناس ولا مبالاتهم، يثير حماسة المتقاعسين ويحولنا عن طرقات اليأس عندما ينغلق الافق، وكأن الحياة ورشة عمل دائمة تحصد فيها الفرح اذ تزرع جهدك الحي.
كان معلمي مؤمناً بالحياة وبقوة الحياة. شعلة ايمان تتغذى من نارها الدائمة. يؤمن بالانسان وبقدرته وبتخطيه لنفسه كما تخطى هو اقداره، كان يلتقط كل جذوة حياة تتألق في عين انسان ويحاول رعايتها واطلاقها، وكانت الحياة نفسها تتألق في عينيه وتختصر حضوره حتى في مراحل التعب والمرض.
معلمي ابا حسان إننا نعاهدك بإبقاء جذوة “ندوة الدراسات الإنمائية” بجهود ومثابرة المخلصين منطلقاً للفكر الإنمائي الذي نذرت له حياتك.
ويكفيني فخراً انك أسهمت في تربية أجيال، وأغنيت الفكر العربي بثمرات ستبقى ذخراً لكل راغب في خدمة مجتمعه.

*بمناسبة العيد الـ 56 لتأسيس :”ندوة الدراسات الإنمائية”
(18/6/1964)

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق