الطائر اللبنانيالملحق

رتبة سجدة الصليب في جامعة الروح القدس – الكسليك

الطائر – لبنان: 

أقامت جامعة الروح القدس – الكسليك رتبة سجدة الصليب ترأسها الرئيس العام للرهبانية اللبنانية المارونية الأباتي طنوس نعمة، بمشاركة السفير البابوي المونسينيور غابريال كاتشيا، وعاونه فيها الآباء المدبرون ومجلس الرئاسة في الرهبانية ورئيس جامعة الروح القدس الأب هادي محفوظ ولفيف من الآباء، في حضور وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل، وزير العمل سجعان قزي، وزير التربية والتعليم العالي الياس بو صعب، وزير السياحة ميشال فرعون، وزير الثقافة ريمون عريجي، وزيرة المهجرين اليس شبطيني، وعدد من النواب الحاليين، وقائد الجيش، وقائد الدرك، ومدير عام أمن الدولة، ووزراء ونواب سابقين، ورئيس المجلس الدستوري، ومسؤولين أمنيين، ومديرين عامين، وشخصيات سياسية وعسكرية وديبلوماسية وقضائية ودينية وإعلامية وتربوية واجتماعية، وأعضاء مجلس الجامعة وحشد من المؤمنين، في قاعة البابا يوحنا بولس الثاني في حرم الجامعة الرئيسي. وقد خدمت الرتبة جوقة الجامعة بقيادة الأب يوسف طنوس.

وبعد القراءات وتلاوة الأناجيل الأربعة، ألقى الأباتي نعمة عظة قال فيها: “الأحداث التي ترافق آلام يسوع، رافقت أجيالاً وأجيالاً من البشر، وجعلت المؤمنين يتأمّلون فيها، فيفهمون، يومًا بعد يوم، وسنةً بعد سنة، عمق سرّ الألم والموت، عمق سرّ الحياة على الأرض، وعمق سرّ محبّة الله لكلّ إنسان، وعمق سرّ القيامة. إنّها أحداث من الإنجيل، إنّها من فرح الإنجيل.

ليست هذه الأحداث رواياتٍ خارجةً عن دائرة حياتنا، وكأنّها فقط تذكّرٌ لأمور قديمة حصلت، بل هي تعنينا مباشرة، تعني كلّ إنسان. وإنّ كلَّ مؤمن مدعوٌّ إلى أن يجعلها تتجلّى في حياته.

إنّنا اليوم، مرّة جديدة، نقف أمام سرّ الصليب، في يوم الجمعة العظيمة، وبنا شوق للتأمّل في يسوع الّذي أحبّنا حبًّا كبيرًا. فترتسم أمام عيوننا لوحةُ بستان الزيتون، حين تمّ إلقاءُ القبض على يسوع وسوقُه إلى الحكم فالآلام والموت. في تلك اللوحة ثلاثةُ مشاهد، مشهدُ ضجيج الآتين يلقون القبض على يسوع من جهة، ومشهدُ التلاميذ الهاربين من جهة أخرى، وبينهما المشهدُ النبيلُ ليسوع الربّ”.

 

وأضاف: “في ذلك البستان، جاؤوا بالسيوف والعصيّ، ومعهم أحد التلاميذ، وهو الخائن يهوذا الاسخريوطيّ، فأحدثوا ضجيجًا كبيرًا وأرعبوا مجموعة التلاميذ. هم تسلّحوا بالقوّة، بسيوفهم وعصيّهم. تسلّحوا بحقدهم وبتصميمهم على القضاء على الحقّ، وجاؤوا يلقون القبض على بريء، ويسوقونه إلى العذاب والآلام والموت. تجاههم، تصرّف يسوع كالإنسان الضعيف الّذي لا مُعين له. وكأنّي بهذا المشهد يرافق كلّ العصور. ولا تشذّ أيّامنا عن هذه القاعدة. فها نحن نسمع بضجيج الحروب، وصخب الاضطهاد، وجلبة تسلّط المتسلّطين، وعنف المضطهدين، والعمل ضدّ الحقّ في ميادين عديدة. فتسقط الضحايا الكثيرة والبريئة ويتعرّض الضعفاء لتجبّر المتجبّرين والمتسلّطين ولظلم الظالمين. ما نشهده خصوصًا في الشرق الاوسط، وعلى الأخص من اضطهاد للمسيحيين والأقليّات، هو صدًى لذلك الضجيج في بستان الزيتون.

ولا يأتي صخب الحياة فقط من الإنسان الظالم، بل قد يأتي من أحداث تطال الإنسان، مثل ضائقة أو مرض أو حادث سيارة أو سقوط طائرة أو موت عزيز علينا، أو أمور أخرى، بإمكان كلّ منّا أن يسردها لذاته. كلّ ذلك يسوق الإنسان إلى العذاب والألم وربّما الموت”.

 

وأكد أنه “أمام ضجيج هذه المظالم وهذه الحروب وهذه الأحداث، يخاف الإنسان ويضيع. هي حال التلاميذ في بستان الزيتون. فهم خافوا وتركوا يسوع. بعدما أخبرنا الإنجيليّ عنهم أنّهم تركوا كلّ شيء وتبعوا يسوع (مر 10: 28)، يقول لنا الآن إنّهم، في بستان الزيتون، تركوه كلُّهم وهربوا (مر 14: 50). حتّى إنّ الإنجيليّ ينزع عنهم صفة التلاميذ لكي يعود فيعطيهم إيّاها بعد القيامة (مر 16: 7)، فالتلميذ هو الذي يتبع يسوع، في كلّ ظرف، حتّى في الآلام والموت. إذًا، على غرار التلاميذ، قد تعترينا الرهبة أمام هول الحروب وأحداث الحياة، فنضيع ويتحكّم بنا الخوف، ويخنق فينا فرحَ الحياة، فنبتعد عن يسوع ونهرب إلى أناس متسلطين أو إلى ارتكاب المظالم بحق الآخرين، ونضيع”.

 

وتابع: “ولكنّ يسوع نفسه هو الذي، بمثله، يضيء لنا الطريق، طريق العودة. في بستان الزيتون، هو الذي قال لأبيه، بعد أن شعر بالخوف من الموت: “لتكن مشيئتك، لا مشيئتي” (متى 26: 39). هو الذي كان معنيّا مباشرة بضجيج الحاقدين والمتجبّرين وشهود الزور والخائنين، ولكنّه بقي نبيلاً، كبيرًا، متسلّحًا بإيمانه بأبيه. علم يسوع، وهو على أبواب الآلام، أنّ ليس للموت الكلمة الأخيرة، بل للحياة وللقيامة. كان يعلم أنّ القيامة موجودة في طيّات الألم، فعلى الإنسان أن يبقى متسلّحًا بالإيمان بالله، عائشًا معه، فيقوى على كلّ أمر، مهما تجبّر ظالم أو مهما قست أحداث الحياة والطبيعة عليه. الضجيج والجلبة والصخب التي بدأت في بستان الزيتون سوف تتصاعد مع أسئلة المجمع ورئيس الأحبار ومع صيحات الشعب: “اصلبه، اصلبه”، ومع حكم بيلاطس. بينما الكلمات القليلة التي تفوّه بها يسوع، سوف تخفت وتضمحلّ إلى الصمت الكامل على الصليب، بعد صرخة التوجّه إلى الله: “إلهي إلهي لماذا تركتني؟” (مز 22: 2). لكنّ يسوع كان يعلم أنّ المزمور 22 الذي يبدأ مع هذه الصرخة سوف ينتهي على وقع انتصار المضطهَد الذي يؤيّده الله. يقول المزمور: “لأنّ الربّ لا ينبذ المساكين. ولا يستهين أبدا بعنائهم … الأجيال الآتية ستخبر عنه وتحدث الشعب الذي سيولد بما تمّ على يده من خلاص”  (مز 22: 25. 32)”.

 

وشدد على  أن “صلاتنا اليوم هي الا نخاف من صخب الحروب وأحداث الحياة، بل أن نعي أن الله يرعى التاريخ، وأنّ علينا الا نكون من الظالمين، بل أن نكون من دعاة الخير والصلاح والمحبّة فنزرعها أينما حللنا، لأنّ الله هو المنتصر وهو سيّد التاريخ ولا يقوى أيّ إنسان أو أيّ حدث عليه. إنّه منطق الإيمان الذي يقويّنا ويجعلنا واقعيّين في مسيرتنا الحياتيّة. صلاتنا أن يعطي الله لبناننا ومنطقتنا مجدًا كبيرًا، يكون علامة رضاه علينا، وأن تسرع الفئات السياسية كافة إلى اختيار رئيس للجمهوريّة، يناسب هذا المقام، ونحن بأمسّ الحاجة اليه.  صلاتنا أن يرتدّ الظالمون عن ظلمهم ويعرفوا أنّ المحبّة هي السبيل الوحيد إلى الانتصار”.

وأضاف :”صلاتنا أن نصغي بامعان إلى كلام قداسة البابا فرنسيس في رسالته الميلاديّة الى مسيحيي الشرق الاوسط، في 21 كانون الاول 2014: “أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، يا مَنْ تشهدون ليسوع بشجاعة في أرضكم المباركة من الرب، إن المسيح هو عزاؤنا ورجاؤنا وبالتالي أشجّعكم لتثبتوا فيه، كالأغصان في الكرمة، واثقين بأنه لا يمكن لشدّةٍ أو ضيق أو اضطهاد أن تفصلنا عنه (رو 8: 35). لتساعدكم هذه المحنة التي تعيشونها على تعزيز إيمانكم وأمانتكم جميعًا”. أودّ أن أرجو سعادة السفير البابوي المطران غابريله كاتشا السامي الاحترام أن ينقل إلى قداسته خضوعنا البنوي ومحبتنا الكبرى. لسعادة السفير البابوي شكرنا الكبير على حضوره اليوم معنا وعلى كلّ عمله من أجل الكنيسة في لبنان”.

وأشار إلى “أننا نصلّي لكي يعضد الربّ صاحب الغبطة والنيافة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الكليّ الطوبى، في عمله الكنسيّ والوطنيّ الذي نعوّل عليه كثيرًا من أجل خلاص شعبنا ووطننا”.

واختتم الاباتي نعمة عظته داعيًا “لنعد إلى مثل يسوع في بستان الزيتون، عندما القوا القبض عليه، وعندما هرب التلاميذ. هو يعلّمنا عيش الآلام والمحن، بكلّ كبر وبكلّ فرح، هذا الفرح الذي هو فرح الإنجيل. هي كلمات يفهمها كلّ مؤمن بيننا. فليعطنا الربّ نعمه على الدوام. هو يعطينا إيّاها على الصليب”.

 

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق