الملحقثقافة وتربية
أخر الأخبار

بالصور: «لَمّا الصورة بتحكي 3» في إهدن… حين تتحوّل العدسة إلى صوت

خاص الطائر نيوز – لبنان: 

تقرير: مهى كنعان

تصوير: فريال نعمة

تحت رعاية جمعية «أزل» للتراث (AZAL Heritage)، وبحضور وزير الإعلام السابق المهندس زياد المكاري، افتتح «تجمّع المصورين في إهدن» النسخة الثالثة من معرضه الفوتوغرافي «لَمّا الصورة بتحكي – 3»، مساء الجمعة 28 آب، في مبنى الكبرى الأثري في إهدن، بمشاركة 26 مصوراً لبنانياً. ويستمر المعرض يومي السبت والأحد 29 و30 آب، من الخامسة بعد الظهر حتى العاشرة مساءً.

لكن «لَمّا الصورة بتحكي 3» ليس مجرد معرض فوتوغرافي تُعلّق فيه الصور على الجدران، بل تجربة تدفع الزائر إلى التوقف والتأمل والإصغاء. فمنذ اللحظة التي تبدأ فيها جولتك بين الأعمال، تشعر أن عنوان المعرض ينطبق حرفياً على ما تراه: الصورة هنا تحكي.

تحكي من دون كلمات، وتروي حكايات الإنسان والمكان والطبيعة والتراث. وكلما وقفت أمام صورة وتأملت تفاصيلها، بدا لك وكأنها تطرح عليك سؤالاً أو تترك في داخلك إحساساً لا يحتاج إلى تفسير.

في هذا المعرض، حضرت الطبيعة بقوة، من خلال صور لبيوت أثرية جميلة ومشاهد من البيئة اللبنانية، إلى جانب صور للعصافير والطيور بمختلف أنواعها، التُقطت بعناية تكشف جمالاً قد يمرّ أمام أعيننا من دون أن ننتبه إليه.

وأمام هذه الصور، لا يسعك إلا أن تشعر وكأن الطبيعة نفسها تخاطبك: هل رأيت جمالي الطبيعي؟ فلماذا تغتالني؟ ولماذا تدمّر ما هو جميل ولا تحافظ عليه؟

فالصور لا تحتفي بالطبيعة فحسب، وإنما تضع علاقتنا بها أمام سؤال أخلاقي وإنساني. إنها توثق الجمال، لكنها في الوقت نفسه تذكّرنا بأن هذا الجمال مهدد، وأن ما نراه اليوم قد لا يبقى غداً إذا استمر الإنسان في استنزاف محيطه.

ومن الطبيعة، يأخذك المعرض إلى الإنسان. صور أخرى تحاكي الطمع والجشع، وتكشف وجوهاً مختلفة لما يتعرض له الإنسان من استغلال وقهر، فيما تستوقفك أعمال تختزل معاني الذل والعبودية والفقر، فتتحول الصورة من مشهد بصري إلى موقف إنساني.

وهنا تحديداً تتضح قوة التصوير الفوتوغرافي؛ فالمصور لا يكتفي بتسجيل ما تراه العين، بل يستطيع أن يجعل من اللحظة شهادة، ومن التفاصيل الصغيرة حكاية، ومن المشهد العابر ذاكرة.

ولعل أكثر ما يلفت في الأعمال المشاركة هو حرفية المصورين ودقة عدساتهم وقدرتهم على التقاط اللحظة النادرة. فخلف بعض الصور التي تبدو للوهلة الأولى عفوية وبسيطة، يقف مصور انتظر طويلاً حتى تأتي اللحظة المناسبة.

قد تكون ساعات من الانتظار والترقب، بحثاً عن حركة طائر، أو انعكاس ضوء، أو تعبير وجه، أو زاوية محددة لبيت أثري، أو تفصيل صغير لا تلتقطه العين العادية. وهنا تظهر قيمة المصور الحقيقية: عينه الثاقبة وقدرته على رؤية ما لا يراه الآخرون.

المعرض، الذي تعود فكرته وتنسيقه وتنظيمه إلى المصور عبدو  الدويهي، يجمع تجارب وعدسات متعددة، لكل منها رؤيتها الخاصة، إلا أن ما يجمعها هو الإيمان بأن الصورة قادرة على أن تكون أكثر من مجرد لقطة جميلة؛ قادرة على أن تحفظ الذاكرة، وتوثق المكان، وتطرح الأسئلة، وتحكي ما قد تعجز الكلمات عن قوله.

وبين صورة وأخرى، وبين جمال الطبيعة ووجع الإنسان وذاكرة التراث، تشعر وأنت تتجوّل في أرجاء المعرض أنك لا تشاهد صوراً معلّقة على جدران مبنى أثري فحسب، بل تستمع إلى حكايات صامتة.

حكايات عن مكان وُلد من رحم الذاكرة، وعن طبيعة تستحق أن تُصان، وعن إنسان يبحث عن كرامته، وعن مصور يلاحق لحظة قد لا تتكرر.

وهنا ربما تكمن قيمة «لَمّا الصورة بتحكي 3»: أن الصورة لا تنتهي عندما تنظر إليها، بل تبدأ حكايتها في اللحظة التي تترك فيها أثراً في داخلك.

في إهدن، حيث يلتقي التراث بالمكان والفن، تبدو العدسة في هذا المعرض كأنها عين أخرى ترى عنا ما اعتدنا أن نتجاهله… وعندما تتكلم الصورة، يصبح علينا أن نصغي.

وخلال كلمته، نوّه المصوّر والفنان عبدو الدويهي بالمصورين المشاركين، مشيداً بعطاءاتهم ومسيرتهم في عالم التصوير، ومتمنياً أن تتوسع دائرة المعرض في دوراته المقبلة لتشمل بيروت والجنوب، بما يتيح للصورة اللبنانية أن تعبر من إهدن إلى مختلف المناطق اللبنانية، وأن تلتقي بجمهور أوسع.

كما بادر الدويهي إلى تقديم دروع تقديرية لعدد من المصورين، عربون شكر وتقدير لمسيرتهم الفوتوغرافية وعطاءاتهم، ولما قدموه من صور وشهادات بصرية، ولا سيما مشاركتهم في تغطية الحروب والأحداث الصعبة، حيث حملت عدساتهم مسؤولية توثيق لحظات إنسانية وتاريخية بقيت شاهدة على مراحل مفصلية من تاريخ لبنان.

وكان للتكريم دلالته الخاصة، إذ لم يحتفِ بالصورة كفن فحسب، بل بالمصور أيضاً بوصفه شاهداً يحمل كاميرته إلى الأماكن التي يصعب على كثيرين الوصول إليها، ويحوّل اللحظة القاسية إلى وثيقة تحفظها الذاكرة.

موقع «الطائر نيوز» واكب افتتاح المعرض الفوتوغرافي «لَمّا الصورة بتحكي 3»، ناقلاً أجواء هذا الحدث الثقافي والفني، ومسلّطاً الضوء على الأعمال المشاركة ورسالة المعرض في دعم فن التصوير وحفظ الذاكرة البصرية اللبنانية.

وكل الشكر والتقدير لأصحاب الدعوة، «تجمّع المصورين في إهدن»، وللدكتور جمال فياض، على الدعوة وحسن الاستقبال، وعلى هذه المبادرة التي تفتح مساحة جديدة أمام الصورة اللبنانية لتقول كلمتها، وتحكي حكاية الإنسان والطبيعة والتراث بعدسة المبدعين.

 

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى